تقديم الإطار العام للمؤتمر

السياق العام

من أهم ديناميات حقبة الأونتروبوسين (كفصل جديد من التاريخ الجيولوجي للأرض يتميز بارتقاء الإنسان إلى قوة يمكنها الإخلال بتوازنات النظام البيئي) قُدرة الأنظمة الاجتماعية الهائلة على التفاعل مع الأنظمة البيئية وتغيير دينامياتها وتوازناتها بإيقاعات سريعة وبآثار تعجز المعرفة المتوفرة حاليا عن استيعابها بنوع من اليقين. وبالفعل، فقد تمكّنت المجتمعات البشرية من إنتاج بيئاتها الخاصة (بهدف إشباع حاجيات متجددة ليست بالضرورة أساسية لبقاء وتطور الجنس البشري) بشكل منفصل أحيانا عن الأنظمة البيئية، وغالبا مع تجاوز القدرة الاستيعابية والخطوط الحمراء لهذه الأخيرة بشكل غير قابل للإصلاح. ونتيجة ذلك هو الفشل فـــي إدراك أن الإنسان يشكل جزءا من النظام البيئي، والعمل وفق هذا التصور على كل المستويات. والأسوأ من ذلك هو أن هذا الفشل غير المسبوق يترافق مع ظهور العديد من المخاطر والأزمات المهددة للأنظمة الاجتماعية والبيئية معاً بشكل مترابط ومعقد. هذا الوضع يكشف بوضوح عدم قدرة الأنظمة الاجتماعية على تدبير هذه المخاطر والأزمات بنجاعة، نظرا لكون القيم الأساسية التي بنيت عليها هذه الأنظمة هي السّبب الأساسي فــــي ظهور هذه المخاطر والأزمات. ويمثل تغير المناخ وتراجع التنوع البيولوجي وتدهور مجموعة من الأنظمة البيئية (وهي أساس الأمن الإنساني وقدرة  الأنظمة الاجتماعية على التطور والتكيف)، بالإضافه إلى عوامل أخرى، أهم تجليات هذا التغيير. وفي نفس السياق، توجد ديناميات كثيرة تؤثّر على الأنظمة الاجتماعية، منها الفقر والنّزاعات والهجرة وغياب العدالة ووجود التفاوتات، وهي بدورها من نتائج ديناميات التغير البيئي والمناخي. 

ومن أجل توضيح ذلك، فإن النظام الغذائي العالمي الحالـــي مثلا، باعتباره نظاما سوسيو بيئيا، هو المحرك الأساسي للتّغير البيئي والمناخي، وتغيير استعمال الأراضي، واستنزاف الموارد المائية، واندثار التّنوع البيولوجي، وتلوث الأنظمة الإيكولوجية المائية والأرضية، وتدهور الصحة العامة. وقد تنبأ المتخصصين في هذا المجال أنه خلال العقود المقبلة، وكنتيجة لديناميات كثيرة، فإن التأثيرات البيئية والمناخية والصحية للنظام الغذائي العالمي يمكن أن تزداد بشكل معقد لاسيما فــي غياب التدابير المناسبة. وستصل الخطورة إلــى مستويات تتجاوز القدرة الاستيعابية والخطوط الحمراء لتوازن النظام البيئي العالمي كمجال حيوي آمن للإنسانية. وبيّن المتخصصون أيضاً أن خيارات تدبير التأثيرات البيئية والمناخية على النظام الغذائي، مع تلبية الطّلب المتزايد على الغَذَاء بشكل مستدام، يتطلب تطبيق حلول بشكل متكامل وبطريقة اندماجية وفق إطارات مفاهيمية وسياسية تتميّز بالابتكار والفعالية.

 

وبشكل عام، فإن الأخطار والديناميات المؤثرة على الأنظمة السوسيوبيئية تدفع بشكل استعجالي إلى إعادة التفكير بشكل عميق فــي طبيعة التفاعل بين هذه الأنظمة من منظور مختلف وبراديغمات جديدة. إن الأنظمة الاجتماعية، نظرا لمسؤوليتها الرئيسية عن هشاشة الأنظمة البيئية وفقدانها لأغلب توازناتها الأساسية، ونظراً للقدرات المتاحة لها حاليا (المعرفة، التكنولوجيا، القدرة على العمل، إلخ) يجب عليها اعتماد مرجعيات وآليات جديدة من أجل تفادي السيناريوهات المخيفة التي توصل إليها البحث العلمي حاليا. وينبغي أن يشمل هذا التوّجه جميع جوانب التفاعل بين النظامين معا لاسيما: تكامل وإعَادة هيكلة أنظمة حكامة الأنظمة السوسيوبيئية (المعايير، الفاعلين، القيم وعمليات اتخاذ القرار) ؛ إعادة التفكير في أدوار أنظمة الإنتاج والاستهلاك بعيداً عن نموذج النّمو وثقافة الاستهلاك؛ وتطوير آليات ناجعة لتقوية قدرات الأنظمة السوسيوبيئية على التكيف وتكريس الاستدامة؛ واعتماد المقاربات والبراديغمات الفعالة أثناء بلورة وتطبيق الآليات الرامية لتدبير المخاطر واستغلال الفرص المتاحة (مثل مقاربة النوع، المقاربة السوسيوبيئية، المقاربة الحقوقية والأمن الإنساني...).

الأهداف والمقاربة

 

يرمي المؤتمر بالأساس إلى تعميق النقاش وتبادل الخبرة فـــي مجالات الأنظمة السوسيو بيئية فـــي سياق تَدَاخُل وترابط المخاطر والديناميات المهددة لأمن واستدامة هذه الأنظمة، مع التركيز على الحُلُول المبتكرة من أجل تعزيز قدرة هذه الأنظمة على التكيف مع اعتبار الترابط المتبادل فيما بينها. وبشكل أدق تتمثل مقاربة المؤتمر فيما يلي:

- تقييم العوامل البنيوية لهشاشة الأنظمة السوسيو بيئية فــي سياق المخاطر الشاملة والتهديدات الأمنية .

- تحديد التفاعلات الأساسية بين الأنظمة الاجتماعية والأنظمة البيئية.

تقييم قدرة أو عدم قدرة الآليات الموجودة (أنظمة الحكامة، المرجعيات الفكرية، الأنماط الثقافية والقيم، التكنولوجيا) على تعزيز قدرة الأنظمة السوسيوبيئية على التكيف والاستدامة.

- تحديد وتعزيز المقاربات  وآليات العمل الناجعة والفعالة الكفيلة بتصحيح التوجهات الحالية وتفادي الوقوع في السيناريوهات غير المرغوب فيها.

يعتبر المؤتمر فرصة لتبادل الخبرات والتجارب الناجحة، بالإضافة إلى تحديد الخيارات الناجعة لتمكين  الأنظمة السوسيو-بيئية من تطوير قدراتها على التكيف في سياق مستدام. وللإشارة، فإن محاور المؤتمر ذات البعد متعدد التخصصات وذات الصلة بعمليات اتخاذ القرار ستمكن من التفاعل بين الحقول المعرفية والتفاعل مع  صانعي السياسات.

نشر أعمال المؤتمر

لقد تم نشر جزء كبير من الأعمال المقدمة خلال النسخ السابقة من المؤتمر من قبل دور نشر شهيرة. وتتيح اللجنة المنظمة نفس الفرصة للمشاركين في المؤتمر القادم الراغبين في نشر أعمالهم لإرسال أوراقهم العلمية الكاملة بعد قبول الملخص وفقا للقواعد التوجيهية التي يفرضها الناشر. وسيتم تزويد الباحثين بنسخ من الكتب المنشورة حسب عقود النشر.

لغات المؤتمر
 

 العربية والإنجليزية والفرنسية هي اللغات الأساسية، وذلك لتوسيع قاعدة المشاركين في المؤتمر.